بلوار… حين تتحدث التنمية بلغة الواقع / محمد غالي سيدي عثمان

بلوار… حين تتحدث التنمية بلغة الواقع / محمد غالي سيدي عثمان
قضيت أربعة أيام في مسقط رأسي، قرية بلوار الواقعة على بعد 52 كيلومترًا شرق مدينة كيفه على طريق الأمل، والقريبة من الحدود الإدارية لولاية الحوض الغربي. لم تكن تلك الأيام مجرد زيارة عائلية، بل كانت رحلة بين ذاكرة الأمس وواقع اليوم، وقفت خلالها على تحولات عميقة عاشتها القرية، حتى بدت لي وكأنها تكتب فصلًا جديدًا من تاريخها.
بلوار التي عرفتها منذ سنوات الدراسة الأولى لم تكن تختلف كثيرًا عن أغلب القرى الموريتانية آنذاك؛ شح في الخدمات، وبنية تحتية شبه معدومة، وحياة بسيطة لم يكن يصبر عليها إلا أهل الأرض الذين تشبثوا بأرضهم رغم قسوة الظروف.
أما اليوم، فقد تبدل المشهد بصورة لافتة. فقد وصلت شبكات المياه إلى المنازل، وأصبحت الحنفيات تغني عن الآبار التي كانت يومًا المصدر الوحيد للماء. كما دخلت الكهرباء إلى كل بيت، وحل نورها محل القناديل ومواقد النار، وامتدت الأعمدة الكهربائية لتنير أرجاء القرية، وأصبحت محطات الوقود جزءًا من واقعها اليومي.
ولم يقتصر التحول على الخدمات الأساسية، بل شمل مستوى المعيشة أيضًا. ففي الماضي كان امتلاك سيارة داخل القرية حدثًا نادرًا ، أما اليوم فأصبحت السيارات مشهدًا مألوفًا أمام المنازل، وظهرت مساكن حديثة وتجهيزات منزلية كانت إلى وقت قريب مجرد أمنيات، المكيف والثلاحة وصالات كرة القدم
بينما يعكس التوسع العمراني والسكاني حيوية اقتصادية واجتماعية واضحة.
وبعيدًا عن لغة المزايدات أو الأحكام المسبقة، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذه التحولات تحققت في ظل قيادة فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني. فالتنمية لا تُقاس بالشعارات، وإنما بما يلمسه المواطن في حياته اليومية، وما شهدته بلوار من تحسن في البنية التحتية والخدمات يؤكد أن مشاريع الدولة وصلت إلى القرى والأرياف، وأسهمت في تحسين ظروف العيش وتعزيز الاستقرار.
ولا شك أن الطريق ما زال يتطلب المزيد من العمل لاستكمال النواقص، غير أن حجم ما تحقق يدعو إلى التقدير ويبعث على التفاؤل، لأن بناء الأوطان لا يتم بالقفز على المراحل، وإنما بالتدرج والاستمرارية، حتى تترسخ التنمية وتؤتي ثمارها.
ورغم هذه المكاسب، لا تزال بلوار تعاني من ضعف خدمات الإنترنت، بل وانعدامها في أوقات كثيرة، على الرغم من وجود برج للاتصالات فوق مرتفع “السيف”. وهي مفارقة تستحق الوقوف عندها، لأن الاتصال بالإنترنت أصبح اليوم خدمة أساسية لا تقل أهمية عن الماء والكهرباء، خاصة في مجالات التعليم والإدارة والتجارة والتواصل.
وخلال وجودي في القرية، لمست عن قرب حجم معاناة السكان مع هذه المشكلة، وقد تعهدت لهم بأن أوصل صوتهم ومطلبهم المشروع إلى الجهات المعنية، أملاً في أن تحظى هذه القضية بالعناية اللازمة، حتى تكتمل مسيرة التنمية التي تعيشها بلوار، ويستفيد أهلها من خدمات الاتصالات كما استفادوا من بقية المشاريع التنموية.
إن من ينظر إلى بلوار اليوم، ويقارنها بما كانت عليه قبل عقد أو عقدين، سيدرك أن الفارق كبير، وأن ما تحقق على أرض الواقع يستحق التثمين والاعتراف، مع مواصلة العمل من أجل استكمال ما تبقى من متطلبات التنمية، خاصة في محال الإتصالات
محمد غالي سيدي عثمان



